ردًّا على الدكتور محمد سعيد حوّى... :ننتصرُ للسُّنَّةِ النبويَّةِ بالدًّفاعِ عنها: لا بالتَّشكيكِ فيها !!
*علي بن حسن الحلبي الأثري
جريدة الدستور/يوم الجمعة/5-3-2010
(من المسلَّمات عند العُلماء المُسلمين: حُجًّيَّةُ السُّنَّة النبويَّة ، وأنَّها المصدرُ الثاني للتشريع ، وأن طاعة رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فرضّ لازمّ لا خيار للمسلم فيه...)
...هذا ما بدأ به الدكتور محمد سعيد حوّى - وفَّقَهُ اللهُ - مقالَهُ المُعَنْوَنَ بـ(كيف ننتصرُ للسُّنَّةِ النبويَّة؟) ، والمنشور في (جريدة الدستور) – الأُردُنًّيَّةِ – بتاريخ

11 - ربيع الأول - 1431هـ) ، وهو بدايةّ حَسَنَةّ لِعُنوان مُشَوِّق استغلَّ فيه عواطفَ عامَّةِ المُسلمين في إحيائِهم ذِكْرَى مولدِ رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ، ولكنْ: سَرْعان ما نَقَضَ الكاتبُ – غَفَرَ اللهُ له - كلامَهُ بما يهدمُهُ من أصله ، وينقضُهُ من أساسه ، وبأُسلوب غير علميّْ ، ليس فيه إلا تَكرارُ كلام الروافض والمستشرقين ، وأذنابهم من المستغربين.
ولا يشفعُ للدكتور حوّى - هداهُ اللهُ – تخصُّصُه (الأكاديميُّ)، - في عُلوم السُّنَّة النبويَّة - في أنْ يُمَرِّرَ مثلَ هذه الشُّبُهات والطُّعونات - تحت اسم (السُّنَّة) - ، وهي البعيدةُ البُعْدَ كُلَّهُ عن منهجيَّةِ عُلماءِ السُّنَّة النبويَّة الأعلام ، وصَفاء قُلوب أهل السُّنَّة النبويَّة تُجاهَ سُنَّة نبيّهم - عليه الصَّلاة والسلام-
وحتّى لا أُطيلَ في التقديم - فأتأخَّرَ عن البيان - : أذْكُرُ (أهمَّ) ما أخطأَ به الدُّكتور حوَّى - غَفَرَ اللهُ لهُ - ، وأُتْبِعُهُ بالرَّدِّ والتوضيحِ - مُعْرِضاً عمَّا هو دون ذلك - وإلا لَطالَ بنا القولُ:-
1- قال: (فعلَى الأرجحِ: لمْ تُدَوَّن السُّنَّةُ في حياتِهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلّم- إلا قليلاً جدًّا)،
وهذا باطلّ مِن القول والادِّعاء العريض، ولو كلَّفَ الدُّكتور حوَّى (،) نفسَهُ بمُراجعةِ كتاب "دراسات في الحديث النبويِّ" للدكتور محمد مصطفى الأعظمي - والذي نالَ عليه أرفعَ جائزةٍ علميَّةٍ إسلاميَّةٍ - لَعَرَفَ بُطلان دَعواهُ ، ولأَيْقَنَ أنَّ تسلسلَ التَّدوين العلميّ للسُّنَّةِ النبويَّةِ بَدَأ مُنذُ عصرِ الرسول - صلّى اللهُ عليه وسلَّم - ، مُروراً بعصرِ الصَّحابةِ ، وإلى عَصرِ التابعين: فمَن بعدَهُم مِن غيرِ انقطاعٍ - وبصورةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ:- لِيُطابِقَ ما في صُدورِ الحُفَّاظ ما في سُطور مُدَوِّنِي السُّنَّةِ ، وكُتَّابِها ، وجامِعِيها - رحِمَهُم اللهُ – أجمعين-.
2- أمَّا استدلالُهُ - غَفَرَ اللهُ له - بحديثِ: لا تكتُبُوا عنِّي ، ومَن كَتَبَ عنِّي غيرَ القُرآن: فلْيَمْحُهُ : فهو استدلالّ منقوصّ غيرُ قائم: إذ قد بيَّنَ الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ في كتابِهِ "تقييد العِلم" الوجهَ الصحيحَ في فَهْمِ هذا الحديثِ، وأنَّهُ خشية أنْ يُضاهَى بكتابِ الله - تعالى - غيرُهُ ، وأنْ يُشتغَلَ عن القُرآنِ بسواه: فلمّا أُمِنَ ذلك ، ودَعَت الحاجةُ إلى كَتْبِ العِلمِ لمْ يُكْرَهَ كَتْبُهُ - كما هو نصُّ كلامِهِ - رحمهُ اللهُ - ، والذي أقامَ كتابَهُ - كُلَّهُ - مِن أَجْلِ بيانِ الوَجْهِ الصحيحِ الحقِّ لهذا الحديثِ.
3- أمَّا قولُهُ: (إنَّ معظمَ السُّنَّةِ النبويَّةِ رُوِيَتْ بروايةِ الآحادِ ، أي:برواية الواحدِ ، أو الاثنين ، أو الثلاثة)،
قلتُ: فكان ماذا؟، هل العبرةُ - في الصحَّةِ والثُّبوتِ - بعددِ الرُّواة ، أمْ بثقتِهِم وجلالتِهِم؟
وهل أهملَ عُلماءُ الحديثِ الأفذاذُ هذه القضيَّةَ المهمَّةَ حتَّى يجيءَ - بعدَ قُرون وقرون، - مَن يستدرِكُ عليهم في بديهيَّةٍ مِن أهم بَدِيهِيَّاتِ عِلم مصطلح الحديث ، وثبوت الأسانيد - وأوَّلِيَّاتِهِ - ؟، فالأصلُ - ولا بُدَّ - هو: ثقةُ الرُّواة: فإنْ كَثُروا: زاد ذلك الحديثَ صحَّةً واطمئناناً: فكان نُوراً على نُور...
4- مّا ما ذَكَرَهُ الدُّكتور حوَّى مِن (ظاهرة نَقد المتن مِن قِبَلِ الصَّحابةِ أنفُسِهم: حيث لا سَنَدَ أصلاً حتَّى يُنقد ، ولمْ يكن الصحابةُ يكذِّبُ بعضُهُم بعضاً)،،
فهذه دَعْوَى غيرُ صحيحةٍ ، وذلك مِن وُجوه:
أ - أنَّ الصحيحَ المرويَّ مِن ذلك (النقد) يسيرّ جدًّا ، لا يشكِّلُ(ظاهرة) بالمعنى المُدَّعَى – ألْبَتَّة- .
ب - أنَّ تَوَجُّهَ النقدِ كان لحِفظِ الرَّاوِي أصالةً ، وليس تكذيباً له ، أو نقضاً لخبرِهِ ، وإنَّما مِن بابِ التخطئة لروايتِهِ - إنْ صحَّت تلك التخطئةُ وثَبَتَتْ- .
جـ - أنَّ التخطئةَ التي وُوجِهَ بها بعضُ الصحابةِ مِن صحابةِ آخَرِين – لمرويَّاتِهِم- وُوجِهَتْ - أحياناً - بتخطئةٍ مضادَّةٍ ، وثباتٍ على أصلِ الرِّوايةِ: دونَ الْتِفاتٍ لهذا النقد ، فضلاً عن تغييرٍ للرِّوايةِ.
فليست التخطئةُ بذاتِها طريقاً للإيقانِ بالخطأِ - كما هو ظاهرّ-.
د - أنَّ نصَّ كلامِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ - ولفظَهُ - في تخطئتِهِ لفاطمةَ بنت قيس - وقد أوْرَدَ قصَّتَها الدُّكتور حوَّى - بَيِّنّ في تحقيقِ هذا المعنى ، حيث قال - رضي اللهُ عنهُ - : لا ندعُ كِتابَ الله وسُنَّةَ نبيِّنا لقَوْلِ امرأةٍ لا ندري أحفِظَتْ أمْ نَسِيَتْ ، وهذا الجُزْءُ مِن الحديثِ لمْ يذكُرْهُ الدُّكتور حوَّى: فلماذا؟،
5- أمَّا (ظاهرة الرِّواية بالمعنى) التي أشارَ إليها الدُّكتور حوَّى: فليست هي بالصُّورةِ التي ادَّعاها ، وبنَى عليها كلامَهُ بعدَها، وإنَّما الأمرُ فيها - مع التسليمِ بها - قائمٌ على ضوابط دقيقة ، وشروط وثيقة: بَيَّنَها العُلماءُ ، ودقَّقُوا فيها.
ولعلَّهُ مِن هُنا بَدَأ نشوءُ (علمِ العِلَلِ): الذي له أهلُهُ ورِجالُهُ - على مدارِ التَّارِيخِ العلميِّ الحديثيِّ - قديماً وحديثاً-.
والحقُّ أنَّ الأصلَ في كُلِّ روايةٍ يرويها ثقةٌ حافظٌ أنْ تكونَ باللفظِ لا بالمعنى: فإنْ ثَبَتَ لنا أنَّها بالمعنى: نَظَرْنا: هل المعنى مُؤتَلفٌ ، أم مُختلفٌ؟، مُتَّفقٌ مع المُرادِ أمْ مُفترق؟،فليست القضيَّةُ فوضَى - مِن جهةٍ - ، ولا دَعاوَى - مِن جهةٍ أُخْرَى-.
6- أمَّا (ظاهرة التفرُّد والغرابة) ، التي أشارَ إليها الدُّكتور حوَّى (والتي يُفْتَرَضُ أنْ تُروَى مِن روايةِ الجَمعِ أو العددِ) - كما قال-، : فهي دَعْوَى - أيضاً - منقوضةٌ جدًّا: إذ للتفرُّدِ أسبابُهُ العلميَّة أو الاجتماعية - كما بيَّنَهُ العُلماءُ-.
لعلَّ أكبرَ ردٍّ على هذه الدعوى: افتتاحُ الإمامِ البخاريِّ صحيحَه بِحديثِ: إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات - وهو فَرْدٌ - ، واختتامُهُ – أيضاً - صحيحَه بحديث: كلمتان خفيفتان على اللسان.. - وهو فَرْدٌ – أيضاً- .
وأمّا الغرابةُ: فلها معنيان:
معنى اصطلاحيّ ، وهو لا يُعارِضُ الصِّحَّةَ والثُّبوتَ – مُطلَقاً-
ومعنى لُغَوِيّ ، وهو معنىً نسبيٌّ جدًّا: فما قد يستغربُهُ (زيد) قد يقبلُهُ (عَمْرو): فكان ماذا؟، أبمثلِ هذه الأوهامِ تُرَدُّ النُّصوصُ ، وتُنقضُ المرويَّاتُ؟،
7- ما ذكرَهُ الدُّكتور حوَّى من (ظاهرة الأخذ عن أهل الكتاب ، ومِن ثمَّ رواية الكثير من الإسرائيليات المنكَرة) كلامٌ لا وزنَ له: وذلك مِن وجهَيْن:
أ - أنَّهُ - أيضاً - ليس (ظاهرة) – ألْبَتَّة-، بل هو مفاريدُ ومُفردات ليس إلا: ثم إنَّ أهلَ العلمِ قد بيَّنُوا ذلك ، ولمْ يسكُتُوا عنه ، ولمْ يترُكُوه لمتمجهدِي القُرون الأخيرة،
ب – أنَّ الاتِّكاءَ على هذه الدعوَى الباطلةِ لإقامةِ ادِّعاءات أُخْرَى - أكثرَ بُطلاناً- متفرِّعةٍ عنها - مِن أنَّ: هذا الحديثَ عن أهل الكتاب،، أو: ذاك الحديثَ مِن الإسرائيليَّات: يُشَكِّلُ عُدواناً صارِخاً قبيحاً على مناهج المحدِّثين الأصيلةِ ، وقواعدِهم الراسخةِ التي هي أكبرُ فَخَارٍ عرفه التاريخ - كُلُّهُ – للعرب والمُسلمين: فقد بيَّنُوا كُلَّ ذلك ، وكشفوا عن حقيقةِ ما هُنالِك...
8- قولُ الدُّكتور حوَّى: (ظاهرة المذهبيَّة العقديَّة والفقهيَّة والتحزُّب لكلِّ مذهب ، وكان لذلك آثار خطيرة في الرواية والرُّواة)،، كذا قال - هداهُ اللهُ-، وكأنَّهُ اكتشافٌ عصريٌّ جديدٌ،،
فأقولُ: ألَمْ يكشفْ عُلماءُ الحديثِ عن هذا الخَلَل في عُصورِهِم الأُولَى؟،
ألمْ ينقُد عُلماءُ الحديثِ الرُّواةَ-على تنوُّعِ أفكارِهِم - ، ويُفنِّدُوا عقائدَهُم ومذهبيَّاتِهم؟،
ألَمْ يكُنْ لِعُلْماء الحديثِ المنهجيَّةُ الدقيقةُ في الأخذِ عن هؤلاء المذهبيِّين ، وتمييز رواياتهم المقبولة والمرذولة؟،
ولكنْ: حقًّا: إن(ظاهرة المذهبيَّة العقديّة والفقهيَّة) أثَّرَتْ جدًّا في عُقولِ عددٍ ليس بالقليل من الأكاديميِّين العصرانيِّين - تأثُّراً بالمُستشرِقين ، أو الروافض، - : للتشكيكِ بمُسَلَّماتِ أهل الإسلام ، والطعنِ بأحاديث النبيِّ - عليه الصلاة والسلام- ...
9- قول الدكتور حوَّى: (ظُهور روايات وطُرُق لأحاديث في كُتُب متأخِّرَة ، لم تكن معروفة في القُرونِ الأُولَى ، ولا في المدوَّنات المعتبرة - كالكتب التسعة - )،، فهذا من الدكتور حوَّى دليلّ عَمَلِيٌّ تطبيقيٌّ على تأثُّرِهِ بالمُستشرِقين وأذنابِهِم:إذ إنَّ مُصطلَح (الكُتُب التًّسعة) مُصطلحٌ استشراقيٌّ صِرْفٌ: لمْ يعرِفْهُ أهلُ الحديثِ إلا بعدَ تأليفِ مُستشرِقِي (جامعة لَيْدن - هولندا) كتابَهُم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ - أوائل القرن العشرين - : بخلاف مُصطلح (الكتب الستَّة) ، أو مُصطلح (السنن الأربعة): اللذَيْنِ كانا معروفَيْن لِعُلماءِ الحديثِ - مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ- .
ثُمَّ يُقالُ: ما ليس معروفاً (عندك،) هو معروفٌ عند (غيرِك،) - يقيناً - ، وما لم يُطبع مِن كُتُبِ السُّنَّة هذه الأيّام لا يدلُّ على أنَّهُ لمْ يكُنْ معروفاً أيّام الرِّواية ، والجَمْع ، والتخريج، فلا تخلِط،
10- قولُ الدُّكتور حوَّى: (ظُهور الاختلاف بين النُّسَخ الخطيَّة..) يُريد: لكتب الحديث النبويّ، فكان ماذا؟، أمْ أنَّهُ (تشكيك) جديد ، ومِن زاويةٍ أُخْرَى؟،
وهل معرفةُ ذلك ، وإدراكُهُ - على التحقيقِ – أمْرٌ أُغْفِلَ بيانُهُ والتنبيهُ عليه مِن جهةِ عُلمائنا الأبرار ، وأئمَّتنا الكِبار؟،
أين أنت - أيها الدكتور - مِن فتح الباري وضبطه الدقيق – جدًّا - لكلِّ لفظ ، أو كلمةِ ، أو حتَّى حرف - فيما تعرَّضَ له في شَرْحِهِ لـ صحيح البخاري - صحيح أهل الإسلام - على مرِّ الأزمان - ؟،
وعليه: فإنَّ ما ذَكَرَهُ الدُّكتور حوَّى - بَعدُ - مِن الإشارةِ إلى شرح البخاري - حُجَّةٌ عليه ، لا له - لِمَن يعقلُ - ،
وأمّا سُنَن الترمذي - واختلافُ نُسَخِهِ - : فلمْ يذكُرْ لنا الدُّكتور حوَّى: هل هذا الفرقُ المُدَّعَى - وقد بيَّنَهُ العُلماءُ في تحقيقاتِهِم ، ورجَّحُوا الصحيحَ منهُ - قديماً وحديثاً - ، فَرْقٌ مُؤثِّرٌ على أصلِ الثُّبوت والصحَّة؟، أمْ أنَّ ذِكْرَهُ والإشارةَ إليه - هُنا – مُجرَّد تشغيب؟،،
11- إشارتُهُ لـ(عِلم العِلل) ، وقولُه - بعد - في وَصْفِهِ بكونِهِ: (ميداناً فسيحاً للاجتهادِ والنَّظَرِ): أقولُ: بضوابطَ دقيقةٍ جدًّا - أوَّلاً - ، ولمن هو لذلك أهلٌ - ثانياً - ، مع عدم التسليم بكُلِّ ما يُذكَرُ فيه – ثالثاً –
ثُمَّ: هل انتقاداتُ الدُّكتور حوَّى لأحاديث الصحيحَيْن – أو أحدهما - قائمةٌ على هذا العلم الحديثيًّ الدقيق؟، أمْ أنَّها عنهُ بمَعْزل ، ومنه بأبعد منزل،؟،
وما ردُّنا عليه - فيما أثارَهُ على عددْ مِن أحاديث الصحيحَين في بعضِ مقالاتِهِ - قبل شهورٍ - في كتابِنا "ردّ الدَّعوَى ، وصدّ اعتداءات الدكتور محمد سعيد حوّى" إلا دليلاً واضحاً على بُعد حقيقتِهِ عن دَعواه.
12- زَعْمُهُ بأنَّ (علم الجرحِ والتعديلِ): (ما زالت قضاياهُ بحاجةٍ إلى تحريرٍ دقيق،): زَعْمٌ باطِلٌ: ذلكم بأنَّ هذا العلمَ العظيمَ توافَرَتْ على ضَبْطِهِ وتحرير مسائلِهِ جُهودٌ جبّارة ، من عُلماء موسوعيِّين ، عاشُوا للسُّنَّةِ ، وأفْنَوْا أعمارَهُم في حِفْظِها وضَبْطِها - قُروناً مُتَعَدِّدَةً- : فكيف يَزْعُمُ خلافَ ذلك مَن لا يستطيعُ (،) أنْ يدَّعِي المقارنةَ بهم ، فضلاً عن التفوُّق عليهم؟،
13 -وتمثيلُ الدُّكتور حوَّى على النقطة السابقة بـ(مفهوم الصحابيِّ الذي نُثْبِتُ له العدالة المُطلقة) التقاءٌ مع آراء الروافض الذين لا يُقيمُونَ للصحابةِ الكِرام وَزناً ، ولا يَرفَعُونَ بهم رأساً: والذين بَنَوا كثيراً مِن آرائهِم الرافضيَّةِ الباطلةِ - تلك - على نقض مفهوم (الصحابي ) عند أهل السُّنَّة - أصلاً - كما يُحاول به الدكتور حوَّى- ،
أمْ أنَّ هذا منهُ - غَفَرَ اللهُ له - بدايةٌ لمغازلةٍ سياسيَّةٍ مذهبيَّةٍ (،) لها خلفيَّاتها ، ولها نتائجُها؟،،
14- أمّا (مُشكلة الاختلاف بين العُلماء في الجرح والتعديل ، والحُكْم على الرُّواة،) - التي أعطاها الدُّكتور حوَّى بُعداً آخَرَ غيرَ علميٍّ - : فهي مشكلةٌ محلولةٌ عند عُلمائِنا منذُ العُصورِ العلميَّة الأُولَى: فلهم - رحمهُم الله - (قواعدُ) في معرفة العُلماء المتشدِّدين والمُتساهلين ، و(قواعدُ) في تعارُض الجرح المفسَّر مع التعديل ، و(قواعدُ) في أصل قَبُول الجرح المفسَّر ، و(قواعدُ) في: متَى يُقبَلُ الجرح إذا كان مُبهماً ، و(قواعدُ) في قَبُولِ التعديلِ على الإبهامِ... وهكذا،،
فهل يُريدُ الدُّكتور حوَّى - بسطُورِهِ القليلة هذه، - طيَّ صفحة هذا العِلم العالي الدقيق ، أو التشكيك بمنهجيَّتِهِ و(قواعده) في الضَّبطِ والتوثيق؟،
15- وما أجملَ قولَ الدكتور حوَّى - في وسط مقالِهِ، - : (نهضَ عُلماءُ أفذاذٌ جهابذةٌ حُفَّاظٌ ليحرِّرُوا السُّنَّةَ ، ويذودوا عن حِياضِها قَدْرَ الاستطاعةِ البشريَّةِ،)
فأقولُ:
نَعَمْ: هُم كذلك - بحمدِ الله - قديماً وحديثاً - ، ولذلك لمْ يترُكُوا المجالَ - جزاهُمُ اللهُ خيراً - لأهلِ الأهواءِ الأقدَمِين ، ولا لأفراخِهِم المُعاصِرِين: بأنْ يُمِرُّوا باطلَهُم الآثِمَ - تشكيكاً بالسُّنَّةِ المطهَّرَة - تحت سِتار: (حريَّة الفِكر)، وتحت مظلَّة: (الحِفاظ على القُرآن)، وتحت لواء: (العقل)،، وما أشبهَ ذلك من شعارات ظاهرُها فيه الرحمة ، وباطنها مِن قِبَلِها العذاب،
وإلا: فبالله عليك - يا دُكتور حوَّى - : مَن مِن هؤلاء ( العُلماء الأفذاذ الجهابذة الحفَّاظ) طعَنَ في الصحيحَيْن - أو أحدِهِما- (بمثل) ما طَعَنْتَ ، أو - حتّى - (بنحو) ما طَعَنْتَ؟،
بل أقولُ: هل سَكَتُوا عن الردِّ على مثل عملك وصنيعك؟، أم ردُّوا ، ونقضُوا ، وكشفوا ، وبيَّنُوا؟،
ونحن - بمنَّة الله - على طريقهم سائرون ، وبأنوارهم مُهتَدُون ، ولمنهجهم مُقْتَفُون...
إنْ لمْ تكونُوا مثلَهُم فتشبَّهُوا***إنَّ التشبُّهَ بالكــرام فـلاحُ
أمَّا قولُهُ: (قرَّرَ العُلماءُ المحقّقُونَ أنَّ السُّنَّةَ الآحاديةَ الصحيحةَ - فضلاً عن الضعيفة- ظنًّيَّةُ الثُّبوت)،
فحشرُهُ لـ(الضعيفة) - ها هُنا - إقحام لا مُرادَ منهُ إلا التشويش: لاتّفاق الجميع على ردّ الأحاديث الضعيفة ، ونفي نسبتها إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلّم- .
أمّا (الظنُّ) ، و(الآحادُ) - وغيرُهما - : فاصطلاحات كلاميَّة أكثرُ منها اصطلاحاتْ حديثيَّة: لذلك لا نُعوّلُ عليها كثيراً ، ولا نَقفُ عندَها كثيراً ، وإنّما يكونُ اهتمامُنا - كُلُّهُ - متوجّهاً إلى الثَّمَرَة العَمَليَّة من وَراء مثل هذه الاصطلاحات - إثباتاً ونَفْياً - ؟،
فما دامَ الحديثُ صحيحاً جامعاً لشروط الصحَّة - سنداً ومَتناً - : فلا يُلتفَتُ إلى أوهام التخطئة والتغليط بالظَّنّ الباطل ، والرأي العاطل ، ولا يُلتفَتُ إلى المُصطلح الحادث الدخيل: ليُحْكَمَ به على الحقّ الراسخ الأصيل...
17- أمّا دَعْوَى (الاحتمال في عدم ثُبوت الحديث الآحاديّ ظاهر الصّحَّة) - على حدّ زَعْم الدُّكتور حوَّى،- :فهي دعوَى - أيضاً - غيرُ قائمة: باعتبار أنَّ من الاحتمال - أصلاً - ما هو راجح ، ومنه ما هو مرجوح ، والمرجوحُ لا وَزْنَ له ، ولا قيمةَ له: وإلا دَخَلْنا-وأدخَلْناكُم، - في متاهات لا تستطيعُونَ الفرارَ منها - كإثْبات النَّسَب - مثلاً - ،،، أمْ أنَّكُم (ترفُضونَ) هذا ، وتقبَلُونَ ذاك - ضربةَ لازبْ - ؟،